الشيخ محمد هادي معرفة
190
تلخيص التمهيد
نشأة الخطّ العربي ليس في آثار العرب بالحجاز ما يدلّ على معرفتهم بالكتابة ، إلّاقبيل الإسلام . والسبب في ذلك أنَّ العرب كان قد غلب على طباعهم البداوة ، فكانوا في ترحال وارتحال أو حروب وغارات ، وكانت تصرفهم عن التفكّر في شؤون الصناعات ، والكتابة من الصناعات الحضرية . لكن بعض العرب ممَّن رحلوا إلى الشام والعراق في تجارة أو سفارة جعلوا يتخلَّقون بأخلاق تلكُم الأمم المتحضّرة ، فاقتبسوا منهم الكتابة والخطّ على سبيل الاستعارة ، فعادوا وبعضهم يكتب بالخطّ النبطي أو الخطّ السرياني ، وظلّ الخطّان معروفين عند العرب إلى ما بعد الفتح الإسلامي . وقد تخلّف عن الخطّ النبطي الخطّ النسخي - وهو المعروف اليوم - وتخلَّف عن الخطّ السرياني الخطّ الكوفي ، وكان يسمّى الخطّ الحيري ، نسبة إلى الحيرة - مدينة عربية قديمة بجوار الكوفة اليوم - لأنّ هذا التحوّل حصل فيها . ثمَّ بعد بناء الكوفة وانتقال الحضارة العربية إليها تحوَّل اسم هذا الخطّ إلى الخطِّ الكوفي . وظلَّ هذا الخطّ هو المعروف والمتداول بين العرب في فترة طويلة . والخط النبطي - المتحوّل إلى الخطّ النسخي - تعلَّمته العرب من حوران ، أثناء تجارتهم إلى الشام . أمّا الخطّ الحيري أو الكوفي فقد تعلَّموه من العراق . فكانوا يستخدمون القلمين جميعاً : الأوَّل في المراسلات والكتابات الاعتيادية ، والثاني للكتابات ذوات الشأن كالقرآن والحديث . ودليلًا على تخلّف الخطّ الكوفي عن السريانية : أنَّهم كتبوا في القرآن « الكتب » بدل « الكتاب » . و « الرحمان » بدل « الرحمان » . وتلك قاعدة مطَّردة في الخطّ السرياني ، يحذفون الألفات الممدودة في أثناء الكلمة . جاء الإسلام والخطّ غير معروف عند العرب الحجازيّين ، فلم يكن يعرف الكتابة إلّا بضعة عشر رجلًا ، واستخدمهم النبي صلى الله عليه وآله لكتابة الوحي . لكنَّه جعل يحرِّض المسلمين على